|
في دنيا الأعمال لا يجهل أحدٌ مقولة " إنما تحصل على ما تدفع لقاءه" و في عالم الإدارة و التعامل مع البشر تتحول هذه المقولة و تتطوّر لتصبح "إنما تحصل على ما تكافئ عليه"، و سؤالي الآن هو التالي: إذا كان ما تكافئ الناس عليه هو عدم الوقوع في الأخطاء فمن أين ترجو اندفاع العاملين لديك نحو المخاطرة؟ كيف تتوقع من أحد العقلاء مدّ رقبته نحو اتجاهٍ جديد و هو يرى المقصلةَ صاعدةً هابطة تعاقب المخطئين؟
طبعاً لا يمكنك توقع ذلك. و إذا كنت تعتقد بأن الوقوع في الخطأ عنصرٌ دخيلٌ على عملك فأرجو أن تعيد التفكير في ذلك. إنّ ما أقصده بـِ " الخطأ" هو المحاولة المدروسة الهادفة التي تخفق في الوصول إلى الغرض. و بهذا المعنى فإن الأخطاء تقع عندما يكون الناس مبدعين، عندما يندفعون إلى التجريب و الاختبار و إخراجِ منتجٍ جديد من عالم الفكرة إلى الواقع.
حتى يكون لديك ثقافة ابتكارية ينبغي عليك تقبل الخطأ – بل الترحيب به!- و لأن اقتحام المخاطر أو تجريب الأفكار الجديدة يشكل جوهر الابتكار فإنني كثيراً ما استبدل عبارة "اقتحام المخاطر risk taking" بكلمة " الابتكار innovation ". حتى يكون الابتكار أو اقتحام المخاطر سلوكاً طبيعياً في منظمتك ينبغي تبديد أجواء الخوف المنتشرة في كثير من الشركات المعاصرة. و في بداية هذا المسعى عليك أن تنظر في كيفية تعامل منظمتك مع الأخطاء.
مبدآن خطيران في التعامل مع الأخطاء:
لسوء الحظ تنتشر في أغلب الثقافات التنظيمية مفاهيم مغلوطةٌ للنظر إلى الأخطاء و التعامل معها. و من أشد هذه التصورات خطراً و انتشاراً مفهوم تستير الخطأ.
يشاهد إخفاء الخطأ في كلّ المستويات التنظيمية و لدى كلّ أنواع الأخطاء و درجاتها، و الجدير بالملاحظة هنا هو أنّ أخطاء المستويات الإدارية العليا الأعظم كلفةً و الأفدح خطراً هي الأسهل تمويهاً. إنّ كلفة الخطأ لا تتوقف عند الخسارة المباشرة الناتجة عنه و إنّما تتضاعف نتيجة إخفاءه و بالتالي العجز عن التعلم منه. كيف تتعلّم من المجهول؟ كيف تستطيع تحذير الناس ومنع وقوعهم مجدّداً في الهاوية المستورة أو المموّهة؟ إن تستير الأخطاء لا يكتفي بتعزيز ثقافة الخداع بل هو ينشر جواً من عدم الاهتمام بالتعلّم أو الجهل المتعمّد.
- المبدأ الآخر الخطير في التعامل مع الأخطاء هو التركيز على اللوم بدلاًُ من التركيز على التعلم إذا حدث و أقرّ الجميع بوجود الخطأ. إنّ هذا السلوك يحمل نذراً خطيرة: " أجل الخطأ سوف يكلف المخطئ غالياً، و سوف يكلف الإدارة أيضاً زعزعةً في الثقة بها و الاطمئنان إليها "
إن مسؤولية الإدارة ينبغي أن تكون استخلاص العبر من الأخطاء و ليس توزيع الاتهامات. إنّ الإقرار بالخطأ أولاً، و التركيز على التعلّم لا على اللوم ثانياً، و توصيل المعارف الجديدة إلى كلّ من يهمهم الأمر في المنظّمة ثالثاً، هو الأسلوب السليم الذي يتيح تحويل الخطأ إلى تعويضٍ يرجح على تبعات ذلك الخطأ.
و إذا أراد احدنا إقناع الموظفين في المستويات التابعة له باتباع المسلك السابق فليس أمامه من سبيل سوى تطبيقه بنفسه و على من حوله في المستوى التنظيميّ الأعلى. إنّ شركة Du Pont الاستشارية المرموقة على مستوى العالم كلّه تعتمد هذا المسلك الثلاثي في التعامل مع الأخطاء و حوادث السلامة في كلّ مستوياتها و هي بذلك لا تكتفي بتعزيز تعلّم المنظمة كلها بل تعزّز أيضاً احترامها العالمي في مجال السلامة.
غيّر السلوك و ليس القواعد و حسب:
إن البيانات و الخطابات لا تكفي لتغيير السلوك في المنظمة، بل ينبغي تأمين مناخ من الثقة و التعلّم لتشجيع الموظفين على الإعلان عن أخطائهم. مناخٍ يجعل مناقشةَ الأخطاء علناً خيراً للجميع من إخفائها تحت السجادة. و من أهم الخطوات في نشر هذا المناخ أن يبدأ كلُّ مديرٍ بنفسه فيقرَّ بأخطائه و يبادر إلى دراستها حتّى يؤسّس مثالاً يقتدى في التعلّم. و عندما ينجح في تطبيق هذا المثال فإنّ مناقشة الأخطاء علناً لن تستغرق وقتاً طويلاً حتى تصبح قاعدةً طبيعيةً لا استثناءً مستغرباً في المنظّمة. و يمكنك متابعة البناء فوق الركيزة السابقة من خلال الابتعاد الدائم عن المقاضاة و توزيع اللوم و تثبيت الاتهامات، و عدم الترحيب باللوامين و متصيدي العثرات. إنّ التسامح مع الزلّات في مراحلها الأولى القابلة للعلاج و قبل أن تستفحل و تتصاعد تكاليفها سوف يعزّز الحكمة و الوعي الشمولي البعيد النظر لدى نظام المؤسسة كله.
على الرغم من ذكرنا أمثلة فرديةً على التعامل مع الأخطاء ينبغي الانتباه إلى أنّ التعامل السليم المثمر مع الأخطاء إنما هو مسألة ثقافة تنظيمية تعمُّ المنظمة كلها و لا يمكن أن يكون نتيجة مطالبة سلطة معينة و انصياع الجهات التابعة لها. و المقصود بالثقافة هو مجموعة القواعد الطوعية و الأعراف المقبولة المصمّمة لتحقيق أهداف المنظمة بكل مكوّناتها.
إن الثقافة الملائمة لمنظمة ابتكاريّة لا يصحّ أن تكون مهووسةً بالهرب من الأخطاء و الخسائر، بل يجب أن تكون منغمسةٌ كلياً في فكرة خوض المباريات لأجل النصر. في ثقافة الذعر من الأخطاء و التركيز على اجتنابها تلاحظ أن الحديث الغالب هو عن العواقب الفادحة لاقتحام المخاطرات و عن الإخفاقات الماضية و عن الاستقصاءات التي لا تنتهي بحثاً عن خطط التصرف الكاملة و الناجحة نجاحاً مضموناً مطلقاً. و أما في ثقافة اللعب لأجل الفوز فإنّنا نرى اقتحام المخاطرات يصبح جزءاً مندمجاً في عمليات المؤسسة. و في مثل هذه الثقافات فإن أبطال المنظمة و نجومها هم أولئك يخاطرون فيمدّون أعناقهم إلى اتجاهاتٍ جديدة و ليس ركّاب الموجة أو صيّادي الفرص الذين يلتزمون بطوف السلامة و يدورون معه حيث دار.
في شطرنج الحياة و العمل الفريق الفائز هو ليس الذي يخسر أقلّ عددٍ من القطع و إنما هو الذي يجرّب و يحسب و يخاطر و يتعلّم و يضحّي ليقول في النهاية للخصوم و التحديات كش مات!
تعزيز ثقافة المخاطرة و الإبداع:
لضمان انفتاح منظمتك على الأخطاء و على الابتكار فإنني أقترح ثلاثةَ عناصر مترابطة:
-
المكافأة على اقتحام المخاطرة و الابتكار.
الشائع في كثير من المنظّمات هو تقديم المكافآت للناجحين، و هذا أمرٌ رائعٌ إذا كان ما تريدُ المكافأة عليه هو إحراز الأهداف و حسب. و لكن إذا أردت مكافأة اللعب المتميّز و المقدرة و البصيرة و المثابرة و الإخلاص – و هي التي تستدعي بالضرورة اقتحام المخاطرة و ارتكاب الأخطاء و التعرّض للفشل- فإنّ عليك أن تعلن مكافأتك و تقديرك سابقةً للنتائج، و هكذا سوف يدرك أعضاء المنظمة أن المكافأةَ إنما هي للسلوك الابتكاري المقتحم للمخاطر و ليست لتحصيل النتائج و حسب.
-
وضع قائمةٍ واضحة محددة بالأخطاء التي لا تسامح معها و الخطوط التي لا ينبغي تجاوزها بأي حال.
إن الانفتاح على الابتكار و اقتحام المخاطرة ليس مرادفاً للانفلات و لا بدّ له من حدود و خطوطٍ حمراء واضحة. و أهم الأخطاء التي لا ينبغي التساهل معها و تجب معاقبة مرتكبيها أو حتّى فصلهم هي:
- تستير الأخطاء.
- عدم التعلم الإيجابي من الأخطاء السابقة
- الانصراف إلى توجيه اللوم و توزيع الاتهامات على الآخرين
و مهما كانت هذه الخطوط الحمراء مكروهةً و ثقيلة الوقع على الجميع فإنه لا ينبغي التوقف عند تأسيسها و نشر العلم بها في المنظمة، بل لا بدّ من المثابرة على تعزيزها و تأكيد الالتزام بها بكل السبل الممكنة.
و المقصود بالتعزيز لا يقتصر على الإجراءات الرسمية المحترمة بل هو تلك العملية المتعددة الأبعاد المؤدية إلى توليد القناعة، و ترسيخ المواقف، و تغيير سلوك الإنسان من الداخل.
-
السلوك اليومي المتكرّر المعزّز لأهمية و لتفضيل اقتحام المخاطرة.
إن التصرفات اليومية الروتينية التي تعزّز و تدعم الثقافة التنظيمية ينبغي تفصيلها لتلائم ما نهدف إليه من بيئة التشجيع على اقتحام المخاطرة. و من أمثلة هذه التصرفات تخصيص جزءٍ من كل اجتماع لمناقشة المخاطر الحالية و المخاطر المتوقعة، و التشجيع و الثناء على الإقدام على اقتحام المخاطر و ليس على النتائج.
النجاح الفعلي في تأسيس الثقافة التي تحترم و تكافئ الإقدام على المخاطرة يتطلب الاجتهاد و الثقة و المثابرة. إنّها رحلةٌ مستمرة لا تعرف النهاية لأن الإبداع لا نهاية له، و لكنّ بهجة هذه الرحلة و ثمراتها على امتداد الطريق تغطي و تزيد على الجهد المبذول. و في النهاية ينبغي أن نتذكر جميعاً بأنّه في عصرنا هذا عصر التغيير المتسارع يصبح الدفاع و التشبّث بالموقع الحاليّ مخاطرةً مخيفةً أشدّ و أفدح من أيّ إقدامٍ على اقتحام المسالك الجديدة.
احذر جاهلية كل العصور... وأد الأفكار و البحث عن المستحيل لا عن الممكن:
ضع سماعة الطبيب على أذنيك و انصت إلى الحديث الدائر في منظمتك... إذا كانت العبارات التالية شائعةً في مواجهة و مناقشة الأفكار الجديدة فاعلم أن الحالة لا تطمئن و تحتاج إلى تدخلٍ عاجل لمنع العبارات و المواقف التي تجهض المبادرات قبل أن ترى النور و تنال حظها من المناقشة و الاختبار:
- يقول أحدهم " ماذا لو حاولنا اصطناع هذا المركّب تحت ضغط 500 جوّ... "
- ماذا؟ لا! مستحيل! ألا تذكر كم أنفقنا في السنة الماضية من وقتٍ و مال على اصطناع أحد المركّبات تحت الضغط العالي ثمّ ذهبت تلك النفقات و الجهود سدىَ!
إن أمثال هذه الحجج المفرطة المنطقية إنما هي عباراتٌ قاتلة و مثالٌ على الأنواع الكثيرة من وسائل دفن الأفكار الفتيّة قبل أن تتنفس و تعلن عن نفسها بوضوح. من خلال الإصغاء إلى تلك المناقشات المفرطة المنطقية يتبيّن لنا أن تعمّق معرفة كثير من الناس بأحد المجالات لا تزيدهم إلاّ مقدرةً على ابتكار المزيد من العبارات القاتلة و السدود المانعة لاتجاهات النظر و التصرف الجديدة في ذلك المجال. إنهم يستخدمون المعرفة لبناء العوائق لا لإنشاء الجسور.
عزيزي الواثق ثقةً مطلقةً بخبرتك المديدة و معرفتك العميقة الواسعة أرجوك تحرّر من ثقتك و انطلق! تحرّر من معرفتك و انطلق! لدى مناقشة أي فكرة جديدة وظّف خبرتك و معرفتك في البحث عن الممكن و ليس عن المستحيل فيها. أجل إن واجبك الأول في عملك هو استخدام خبرتك و معرفتك، و لكن انظر! إن تاريخ الإبداع يثبت لنا يوماً بعد يوم أن الأحكام المسبقة المستندة على معرفة و خبرة الماضي لا على المستقبل إنّما هي أخطاءٌ فادحة. و في هذا السياق نترك الحديث
للواقع و ندع القارئ يتأمّل في مقولات هؤلاء الخبراء المستندين على المبالغة في تقدير ما لديهم من منطق و معرفة و خبرة و المنصرفين نحو البحث عن المستحيل و ليس البحث عن الممكن:
كخبيرٍ في المتفجرات أقول لكم يا سادة إن هذه القنبلة فكرةٌ مستحيلة و لعلها أشد تجاربنا حماقة.
الأدميرال الأمريكي ويليام ليهي متحدثاً عن مشروع القنبلة الذرية في أربعينيات القرن العشرين
- مهما حقق من إنجازات علمية في المستقبل فإن الإنسان لا يمكن أن يصل إلى القمر
- أجل من الناحية النظرية و التقنية التلفزيون ممكن، و لكنه مستحيل من الناحية المالية و التجارية
الدكتور لي دي فوريست Lee Deforest – أحد مخترعي الصمام المفرغ، وحدة البناء الأساسية في الأنظمة الإليكترونية و الحاسوبية، وأجهزة التلفاز الأولى
مولاتي، إن تجويف البطن، و الصدر ، و الجمجمة سوف تبقى إلى الأبد بعيدة عن مبضع أي جراح يتحلى بما يكفي من الحكمة و الإنسانية
الجراح الكبير السير جون إيريك إريكسون مخاطباً الملكة فيكتوريا عام 1837.
يبدو أننا وصلنا إلى أقصى ما يمكن إنجازه في تكنولوجيا الكمبيوتر، و مع ذلك ينبغي أن نكون حذرين في التصريح بمثل هذه الأقوال التي قد تبدو سخيفةً جداً بعد خمس سنوات.
جون فون نيومن أحد المخترعين و المطوّرين الاوائل للكمبيوتر -1949 -
|