|
أحد أسباب الصعوبة في قيادة التغيير هو التوتّر الناشئ بين إدارة شؤون العمل ( تكوين الرؤية، تنسيق وجهات الموارد، إعادة هيكلة المنظّمة ) و بين إدارة شؤون البشر ( المشاعر و الاهتمامات المبرّرة لدى من يتحمّلون واجب تنفيذ التغيير، و التعاملَ مع تداعياته كلّ يوم )
معظم المديرين مهرةٌ في الجانب المختص بقضايا العمل من قيادة التغيير. فلقد تلقوا تدريبهم للتعامل مع القضايا التنظيمية و التشغيليّة، و كذلك يتمّ تقدير أداءهم و مكافأتهم تبعاً لمقدرتهم على الابتكار و تحقيق النتائج الملموسة. و لكنّ الضغوط المتولّدة من التغييرات التنظيمية أو التشغيلية المهمّة تجبر المديرين على توجيه اهتمامٍ خاص نحو ما يحدث في الجانب الإنسانيّ من المنظّمة، و في هذا الموضع يظهر عجز كثير من القادة.
و النتيجة؟ ثقافةٌ تنظيمية متزلزلة، ثقةٌ متلاشية، موالاة منحسرة، و خوفٌ و تشكيك بين الموظفين... و متى! في وقتٍ تكونٌُ فيه القوة العاملة المتحمّسة، الموالية، و المنتجة هي العنصر الأهم من عناصر النجاح.
كيف يمكن للقادة معالجة الجانب الإنساني في عملية التغيير دون الإضرار بجانب العمل؟ كيف يمكنهم اتخاذ قراراتٍ صعبة دون تضييع الرؤية و الاهتمام بمشاعر و اهتمامات الموظفين في كلّ المستويات التنظيمية؟ في مركز القيادة الإبداعية ( CCL ) وجدنا أن الإجابة هي بناء الثقة من خلال الصدق و الصراحة.
عندما يركّز القادة على ترسيخ الثقة فإنّهم يصبحون أقدر على التعامل مع كلا جانبي التغيير ( جانب العمل و جانب البشر). سيجدون أنفسهم صنّاع قراراتٍ صعبة و بشراً متعاطفين مع البشر. ملتزمين بالخطّة و متفهّمين في الوقت ذاته للمتاعب التي يمكن أن تسبّبها للناس. بالتركيز على ترسيخ الثقة سيجد القائد نفسه مرناً سريع المناورة، و متيناً راسخاً لا يحيد عن الهدف و قادراً على مواجهة تحدّيات الإبداع و التغيير بكفاءةٍ و فاعليّة.
توازنات القيادة... ما لا يدرك كلّه لا يُترك جلّه:
لتكوين و استدامة بيئة الثقة خلال التغيير يجب على القادة إقامة التوازن بين ستّة أضداد. و مع أنّه يستحيل على أيّ إنسان المحافظة على هذه التوازنات محافظةً تامةً في كلّ وقت، فإنّ القادة الناجحين يعلمون أنّ هذا المطلب المثاليّ يستحق السعيّ نحوه دون توقّف.
|
التوازنات الستة المطلوبة لنجاح قائد التغيير و لنجاح القائد عموماً
|
|
تحريك التغيير
|
تزعّم المبادرة أو التغيير الكبير، المثابرة على ترويجه و تحفيز الآخرين على الالتحاق بالركب
|
|
ملاءمة التحوّل
|
ملاحظة و معالجة الجوانب الشعورية و الشخصية للتغيير
|
|
|
الإلحاح على السرعة
|
إبراز الحاجة إلى التصرف بسرعة، و استحثاث مسيرة التغيير
|
|
الصبر الواقعي
|
إدراك متى و كيف ينبغي تبطيء المسيرة حتى يتمكن الناس من المواكبة و التأقلم
|
|
|
الصلابة
|
صناعة القرارات الصعبة دون تردّد
|
|
التعاطف
|
أخذ وجهات نظر الآخرين في الاعتبار و تفهّم آثار تصرفات و قرارات القائد على الناس
|
|
|
إبراز التفاؤل
|
ملاحظة الجانب الإيجابي من أيّ تحدٍّ، و بثّ التفاؤل في الآخرين
|
|
الواقعية و الصراحة
|
نشر الموقف بصراحة و عدم الخوف أو الخجل من إعلان المصاعب و الأخطاء
|
|
|
الاعتماد على الذات
|
إيمان القائد بقدرته على تولّي التغييرات الجديدة
|
|
الثقة بالآخرين
|
الانفتاح على مشاركات الآخرين و تركهم يقومون بكل ما هم قادرون عليه
|
|
|
تفعيل المقدرات و الخبرات الحاضرة
|
إدراك و تقدير القائد لقدراته و قدرات منظمته و تطبيقها بثقة في المواقف الجديدة
|
|
المضيّ خارج نطاق المألوف و المرغوب
|
مفارقة الماضي و الإقبال على التعلّم و تجريب الجديد مهما كانت العملية صعبةً أو مكروهة
|
-
الموازنة بين تحريك التغيير و بين التلاؤم مع التحوّل:
إن تحريك التغيير يتطلب القدرة على إدارة المبادرة، و اكتساب الموالاة، و المحافظة على التسارع. و التلاؤم مع التحوّل يعني المراعاة و التعامل مع مشاعر الناس و آرائهم في التغيير و تبعاته المحتملة. و القادة المهرةُ في كلا الجانبين سيوجدون مناخاً يمكن للناس فيه العمل معاً مهما كانت الظروف قاسية.
إنّ هؤلاء القادة يعتنقون رؤية التغيير و يفلحون في توصيل رؤيتهم و حماستهم و طاقتهم إلى الآخرين. و في الوقت ذاته يفتحون الباب على مصراعيه أمام أنفسهم و أمام الآخرين للتعبير عن الشكوك و المخاوف.
و هكذا تصل الثقة و الالتزام إلى مستوياتٍ أرقى و تكتسب مبادرة التغيير مزيداً من التسارع مع مضيّ الناس في عملية تنفيذها.
-
الموازنة بين الإلحاح على السرعة و بين الصبر الواقعي:
توصيل مطلب السرعة القصوى هو من أهمّ واجبات قادة التغيير، فالشعور بإلحاح الزمن يشجّع تدفق الطاقة الإيجابيّة و يزيد الإنتاجية. و بدوره فإنّ الصبر لا يقلٌ أهمية.
إنّ الصبر الواقعي يقتضي معرفة متى و كيف ينبغي تبطيء المسيرة حتى يتمكن الناس من مواكبتها و التأقلم معها، فنفاد الصبر مع الناس يمكن أن يزعزع التزامهم و يعرقل عملية التغيير.
القائد المتوازن لا يفزع، لا يفرط في التفاعل، و لا يجعل كلّ الأمور على درجةٍ واحدة من الأهميّة. إنّه يبذل جهداً واعياً لتقديم الدعم و الإرشاد حيثما تلزم. إنّه يدرك أن الناس المختلفين يتلاءمون مع التغيير بطرقٍ مختلفة. قد يحتاج بعضهم مزيداً من الوقت أو التدريب لتلبية المطالب الجديدة، و قد يحتاج البعض الآخر إلى لقاءاتٍ منفتحة للتنفيس عن شكاياتهم. و الصبر الواقعيّ يعني أيضاً إمداد الناس بتغذية راجعة أمينة و منتظمة، فالناس يريدون أن يعرفوا ماذا يؤدون تأديةً صحيحةً و ماذا يحتاج إلى تأديةٍ بطرقٍ مختلفة.
-
الموازنة بين صلابة القائد و تعاطفه:
إن صلابة القائد هي مواجهته التحديات مواجهةً صريحةً لا تردّد فيها، إنها تعني الحسم و الوقوف موقفاً ثابتاً تجاه المقاومة. و أمّا تعاطفه فهو الحساسية الدقيقة المتجاوبة و التفهّم العميق لمشاعر و تجارب الآخرين.
إن القائد المتعاطف هو القادر على وضع نفسه موضع الآخرين و التفكير بعقليّاتهم آخذاً في الاعتبار الحدود الحاكمة لكل فرد. و هو القادر على تقويم الناس إلى جانب تقويم النتائج. إنّه يدرك كم يؤدّي ضعف التعاطف إلى زعزعة المعنويات و إضعاف اندفاع الناس.
إن مقدرتي الصلابة و التعاطف هما من أشدّ المقدرات القيادية صعوبةً في الموازنة. فكثيرٌ من القادة تلقّوا تعليماً يملي عليهم قمع حساسياتهم التعاطفية إذا أرادوا النجاح في اتخاذ القرارات الصعبة، و هم يخافون من أنّ إظهار جانبهم الليّن سوف يوصّل للآخرين رسالةَ ضعفٍ أو عدم التزام. و لكنّ الحقيقة هيّ أنّ التواصل المتعاطف يولّد في أوقات الأزمات و التغييرات الكبرى تأثراً معاكساً لما يظنّه هؤلاء.
أجل، إن الناس يريدون أن يروا قائدهم صلباً حازماً و لكنهم يريدونه أيضاً أن يكون بشراً يتفهّم البشر.
-
الموازنة بين إظهار التفاؤل و بين الواقعية و الصراحة:
يلعب القادة دوراً جوهرياً في الحفاظ على تفاؤل الناس بنجاح التغييرات الكبرى. إنّهم يحتاجون إلى رؤية آثارها الإيجابيّة و توصيل تلك الرؤية للآخرين، فعندما تحاصر الناس ضغوط التغيير فإنّهم يتجهون إلى قادتهم لاستمداد الطاقة و الثقة. إن القادة المتفائلين ملتزمون التزاماً حقيقاً بالتغيير الذي يطالبون الناس بتنفيذه و يسري تفاؤلهم إلى الناس.
نعم، التفاؤل مطلبٌ مهم و لكن القائد المتوازن لا يتفاءل تفاؤلاً أعمى. إنّ تفاؤليّته متّزنةٌ مع الواقعيّة و الصراحة، و هكذا يستطيع قراءة الموقف كما هو بالفعل. ليس من مهمّات هذا القائد تلبيس الحقائق بالسكّر، و لا يجد هذا القائد صعوبةً كبيرة في الإفصاح عن أخطائه. إن القادة المتزنين يطرحون التساؤلات الحرجة، و يعلنون الأنباء الحلوة و المرة، و يوجّهون الأنظار إلى التحدّيات. إنّ هذا المزيج المتوازن من التفاؤل و الواقعية من أشدّ الركائز أهميةً في بناء الثقة.
-
الموازنة بين الاعتماد على النفس و الثقة بالآخرين:
إن القادة المعتمدين على أنفسهم يستمدون هذه الخصلة من إيمانهم بقدراتهم و مهاراتهم الذاتيّة. إنّهم معتادون على العمل مستقلّين و كثيراً ما يجدون فخرهم في المقدرة على الانطلاق و التوصل إلى الأهداف وحدهم.
و أما الثقة بالآخرين فتعني تمكين الآخرين من تأدية أدوارهم في المهمات و المشاريع دون تدخل أو مبالغةٍ في ممارسة الإدارة. و في مواقف التغيير المعقدة يغدو من المهمّ جداً للقادة أن يأتمنوا الآخرين حتّى يقدّموا وجهات نظرهم و خبراتهم الخاصة.
كثير من القادة يجدون صعوبةً كبيرةً في الموازنة بين المقدرتين السابقتين. فأسطورة القائد البطولي الخارق الذي يبقى قوياً مقداماً و معتمداً على نفسه في وجه التحديات الاستثنائية ما تزال متجذرةً في الأعماق. لكنّ الحقيقة هي أنّ القادة يجدون فرصةً أكبر للتقدم و الارتقاء عندما يواجهون الظروف المعقدة بفريق قوي من الحلفاء.
مهما كان التحدي، فإنّ التناول الجماعي التعاوني يتيح استبصاراً و ابتكاراً و تنفيذاً لا يمكن لأعظم الأفراد موهبةً تأديته مستقلاً بنفسه.
-
الموازنة بين الاعتماد على الخبرات الماضية و بين القدرة على مفارقة المألوف:
في خضمّ الأزمات، يُدفع القادة إلى الاعتماد على المقومات و المقدرات التي أوصلتهم في الماضي إلى النجاح. لكنّ المبالغة في الاعتماد على الطرق المجرّبة قديماً يمكن أن تحبس القادة ضمن استراتيجيات لا تصلح للوضع الحاضر، و الفشل في إدراك الظروف التي تتطلب أساليب جديدة يمكن أن يكون كارثةً مدمّرة.
على المستوى الفردي يعتبر العجز أو القصور في التكيّف السبب الرئيس في خروج القادة عن المسار المجدي. و لذلك ينبغي أن تتوفر لدى القائد مقدرةٌ كبيرةٌ على التحرّر من نطاق الراحة و تحدّي أنماط العمل و التفكير المفضّلة. و باختصار: المقدرة على التفكير و القيام بما ينبغي القيام به و ليس بما يُرغب القيام به.
حتى يوازنوا قدراتهم الحالية مع المهارات و اتجاهات العمل و التفكير الجديدة المطلوبة ، ينبغي على القادة البدء بتقويم قواهم و مآخذهم و تفضيلاتهم و سلوكاتهم السائدة. و في برامج مركز القيادة الإبداعية "CCL" فإن هذا المطلب يحقق من
خلال تركيبةٍ من التقويمات المحيطية الشاملة " 360-degree assessments" و التغذية الراجعة، و الرعاية "coaching" التي يقدمها القادة المخضرمون.
التغذية الراجعة المباشرة و الأمينة التي يقدمها الرؤساء أو الزملاء أو التابعون تزوّد القادة بصورةٍ واضحةٍ لأدائهم و سلوكهم و تكمّل النقص الذي لا بدّ من أن يقع فيه أيّ إنسانٍ عندما ينظر إلى نفسه و أعماله.
إنّ هذا الوعي للذات هو ما يسمح للقائد بتحديد ما لديه من قوى، و معالجة المآخذ و ممارسة سلوكاتٍ مختلفة. و وعي الذات أيضاً يتيح للقائد تعظيم الاستفادة من تنوّع المواهب، و من التجارب و الآراء المختلفة لدى الآخرين و التخلّص من الرؤية النفقية و التفكير الجمعي.
|