|
يقول مايك دينوما القيادي في مصرف Standard Chartered Bank " الاستجابة الأولى التي يبديها مديرو المستوى المتوسط إزاء مبادرتك للتغيير هي الانتظار و إمساك العصا من المنتصف، و عندما يرون غلبة المشكلات المواجهة للمبادرة فإنّهم ينطلقون إلى بذل جهودهم بكل سرور من أجل القضاء عليها "
إن البنك المذكور المتمركز في لندن هو بنك عالمي محترم استمرّ تركيزه على الأسواق الناشئة – الآسيوية خصوصاً - مدة طويلة. يمسك البنك بأصول تزيد على مئة مليار دولار، و يعمل فيه نحو ثلاثين ألف موظف في سبعمئة و خمسين مكتباً تتوزع في خمسةٍ و خمسين بلداً.
و مايك دينوما كان منذ العام 2001 يقود تنفيذ مشروع "إدارة علاقات الزبائن CRM" لدى البنك و البالغة تكلفته ثمانين مليون دولار. أفلحت جهود هذا المشروع بسبب الدقة البالغة في تصميمه، و بسبب الاهتمام الموجه أثناء تنفيذه نحو العوامل المساعدة على اكتساب موالاة العناصر البشرية في الإدارة الوسطى.
كانت الأداة الأكثر مساعدةً في ذلك المشروع هي ما يسمّى " مختبر الجدوى usability laboratory" حيث كل تغيير مقترح على العمليات الجارية يخضع لمحاكاة قريبةٍ من الواقع يتفاعل فيها موظفو الخط الأمامي الحقيقيون مع زبائن حقيقيين. و حسب قول دينوما " لقد أتاح هذا المختبر للمديرين مشاهدة المنافع الملموسة للتغييرات قبل تطبيقها تطبيقاً كاملاً ".
لا توجد وصفة عمومية جاهزة للتغلب على طبيعة التردّد – أو حتى المقاومة- التي يبديها الموظفون تجاه التغييرات المهمّة. و لكن التمحيص في ثلاث مبادرات تغييرية مختلفة لدى ثلاث شركات مختلفة أيضاً يكشف لنا عن الخصائص التالية المشتركة في الأساليب الموفّقة لتنفيذ التغيير.
-
إعلان الحقائق كما هي:
في كتابه "من الحسن إلى الرائع From good to great" يلاحظ جيم كولينز أن الشركات المحقّقة للنتائج الاستثنائية تتمتّع بأنماط تفكير منهجية راسخة. إنهم يدمجون كامل عملية صنع القرار لديهم مع الحقائق العارية في عالم الواقع. عندما يبدأ أحدنا بجهد صادق و مستمر لمعرفة حقيقة الوضع، فإن القرار الصحيح بعدئذٍ كثيراً ما يعلن عن نفسه بنفسه.
و على المنوال ذاته فإن العامل الأكثر تأثيراً في إنجاح مبادرة التغيير هو مستوى التزام القادة منذ البداية بالإفصاح الشامل و الأمين عن الحقائق. و ذلك حسب قول جون مالوني الرئيس و المدير التنفيذي لمؤسسة هاموت الصحية التي تدير مشفىً كبيراً و يعمل فيها نحو ألفي موظّف.
في أواسط التسعينات أطلقت مؤسسة هاموت مبادرة تغيير تهدف إلى تقديم خدمة ممتازة على مستوى العالم مع المحافظة على سلامة النواحي المالية. إحدى الخطوات المهمة و الباكرة في المبادرة كانت الاستغناء عن قطاع كامل من الموظفين ( نحو 125 موظفاً) و الذين كان معظمهم موظفين مجتهدين و أصحاب خدمات طويلة.
إن تخفيض عمالةٍ كبيراً كهذا في صناعةٍ يؤثّر فيها الموظفون تأثيراً كبيراً على اختيار الزبون و رضاه كان بإمكانه إحباط مبادرة التغيير في مهدها، و لكنّ الإفصاح الصريح عن التخفيض و أهدافه من قبل قادة هاموت جنباً إلى جنب مع الحوار المتواصل مع الموظفين و مع المجتمع المحيط مكّن من اجتناب معظم الآثار السلبية. و منذ ذلك الوقت اكتسبت هاموت الاعتراف بها ضمن المستشفيات المئة الأولى في الولايات المتحدة في مجالات تصنيف عديدة، و كسبت زيادةً قدرها سبعة بالمئة في حصتها السوقية المحليّة، و استمرت بالتشغيل تشغيلاً رابحاً لا تتخلّله خسارة.
-
وجّه حديثك إلى الدماغ و القلب معاً:
يثمر الإفصاح التام أفضل إثمار بالمضي إلى ما وراء المعطيات و التحليلات و المبرّرات؛ إنّ الاستفادة من تعاطف الموظفين هي التي تتيح لمبادرة التغيير التطبيق و الاندفاع اللازمين. فبعد مئات المقابلات مع موظفين كانت مؤسساتهم بصدد تغييرات واسعة النطاق، توصّل البروفيسور جون كوتر إلى أن مراعاة مشاعر الموظفين كانت أكبر أثراً في إنجاح تلك التغييرات من مراعاة منطقهم. كانت القضية قضية ما يراه الموظفون أكثر منها ما يقال لهم، قضيةَ استخدام أمثلة حيّة شديدة التأثير. و في كتابه الأخير "the heart of change" يقول كوتر و زميله في التأليف: " على منفّذ التغيير استحثاث استجابات تخمد المشاعر التي تبطئ أو تعرقل التغيير المنشود و تعزّز المشاعر التي تحرّك السلوكات المثمرة. إن التفاعل العاطفي يولد الطاقة التي تدفع الناس إلى الانضواء في مسيرة التغيير و متابعة دعمها"
-
تقسيم مبادرة التغيير إلى أجزاء تسهل إدارتها:
إن مشروع التغيير المتناول لمستويات عديدة في كلّ أنحاء المنظمة مهمّة عسيرة على أيّ فرد أو فريق عمل. لتخفيف المشقة و جعل المطلوب ضمن الاستطاعة ينبغي تقسيم المشروع إلى خطوات أو مراحل يختتم كلٌّ منها بهدف مؤقّت. و من تجارب الخبراء المخضرمين نرى في تقسيم المشروع الفوائد التالية:
لأن طعم العسل هو أقوى حجةٍ تقنع الناس بالتعرّض لإبر النحل:
يقول بييير مورييه رئيس شركة استشارات إحصائية مرموقة :
" إن تقديم المشروع الضخم في صورة مشاريع متعددة أصغر حجماً يساعدك في اكتساب تأييد الموظّفين بعد أن يلمسوا بأنفسهم تسارعاً متزايداً و تقدماً منجزاً بالفعل "
و لأنّك كلما نجحت أكثر نجحت أكثر:
و يقول مايك دينوما: " إن فائدة التقدم بالمشروع نحو سوق واحدة في كل خطوة هي أن السوق التالية إنما تقوم على أكتاف الأسواق السابقة. لقد وجدنا في ذلك توفيراً كبيراً للوقت و التكاليف حيث ندخل كل سوق بخيراتٍ دائمة التصاعد "
و لأن القفز متراً واحداً عشر مرات لا يخشاه و لا يرفضه من يرفض القفز عشرة أمتار مرةً واحدة:
و تقسيم المشروع يمكن أن يقلّص مظهر التهديد الذي يراه في التغيير الكبير المديرون الذين لا يستغني المشروع عن موالاتهم. و هذا ما نراه في المثال التالي:
في كانون الثاني عام 2000 كانت شركة لوكهيد مارتن مقاول الصناعات العسكرية الأول في العالم و المشغّلة لنحو 130000 موظف، تطلق مشروع ( لوكهيد مارتن القرن الحادي و العشرين LM- 21). هدف المشروع إلى تحقيق التكامل التام بين ثمانية عشر شركة تابعة، و تحقيق كلٍّ من التشغيل الاقتصادي الأمثل، و التحسين المتواصل، و القيمة الأرفع من منظور الزبائن.
يقول ميكاييل جويس، مدير المشروع: " تضمن أحد جوانب هذا التغيير إفهام المديرين بأن سيطرتهم على الأمور تكمن في رفع أيديهم عن المشكلات و ترك إيجاد الحلول للعاملين. كان ذلك في تصوّر كثير منهم مكافئاً لتسليم إدارة المصحّ العقلي للمجانين. و لكنني أخبرتهم بأن روعة ما نطلبه منهم تكمن في أنه يتاح لهم إجراء تغييرات صغيرة و اختبارها و التحقق من أنها مجدية و إلاّ فبإمكانهم تعديلها... و بعد أن ألقيت إليهم حبل السلامة هذا لم نعد إلى الطرق القديمة أبداً. كلّ الأهداف المرحليّة للمشروع تمّ تحقيقها حسب المخطط أو أكثر، و في أكتوبر 2001 اختيرت الشركة مقاولاً أوّلَ لتنفيذ الطائرة المقاتلة J-35 في أكبر عقد تصنيع عسكري تمّ تسليمه حتى ذلك التاريخ.
-
أنصت لموظفيك:
في كتابه " لم لا تريد ما أريد؟ " يقول الاستشاري ريك مورار " في سبيل اكتساب التأييد لاتجاه جديد، فإنّ العلاقات لا تقل أهميةً عن الأفكار" و يصنّف مقاومة التغيير في ثلاث زمر عريضة:
- زمرة " لا أرى لمَ علينا أن نفعل ذلك" - زمرة " لا أحب أن نفعل ذلك" - زمرة " لا أحبّك "
وحدها الزمرة الأولى من زمر المقاومة السابقة تنشأ من محتوى التغيير و بالتالي يمكن التعامل معها من خلال شرح الأفكار. و أما الزمرتان الباقيتان فهما تقومان على استجابات عاطفية نحو محتوى التغيير أو نحو زعيم التغيير. و التغلب على المقاومة النابعة من هذا المنشأ يتطلب السبر العميق لنفوس الناس و الإصغاء الفعّال لهم، فالقضية هنا قضية علاقات و ليست قضية أفكار، و التوجّه إلى النواحي البين شخصية هو الذي يصنع الفرق كلّه.
و بالعودة إلى تجربة جون مالوني الرئيس و المدير التنفيذي في مؤسسة هاموت الصحية نراه يسلّم بأن جهود التغيير في منظمته يمكن أن تفلح أو تخيب تبعاً لالتزام الإدارة العليا بالحوار المتواصل. يقول مالوني " كنت أخرج بنفسي و أقوم بذلك أمام الموظفين و أفراد مجتمعنا جميعاً " و يضيف " إن إجادة الإصغاء أهم بكثير من إجادة الحديث، إنها تتطلب الانفتاح التام على كل ما هو ممكن... " " و في هذا الوقت، حيث يشتد تدقيق البلد على أخطاء المستشفيات، فإننا نشجّع عناصرنا على الإعلان عن ثغرات و أخطاء العمل و نكرّم و نكافئ رجالنا على القيام بذلك"
-
اعكس التدفق... هل رأيت شجرة تنمو من الأعلى إلى الأسفل؟!
يقول مايك دينوما " إن الاعتداد المدمّر لدى الإدارة العليا هو محاولتها تسيير التغيير بالاعتماد المطلق على أسلوب التدفق من الأعلى إلى الأسفل " و يوافق على ذلك أيضاً ميكاييل جويس مدير مشروع LM- 21 بالقول " في الغرب، تتوفر لدينا كل الأنواع من أنظمة الإدارة القائمة على التدفق من الأعلى إلى الأدنى و التي هي ضرورية و مجدية. و لكن إذا أردنا تحقيق الامتياز فلا بد لنا أيضاً من أنظمة متقنة و أدوات فعّالة تحرّك الإدارة من الأدنى إلى الأعلى "
من أجل مبادرة تغيير لدى Best Buy -شركة توزيع أجهزة إلكترونية بالتجزئة- كان فريق تنفيذ التغيير المكوّن من تسعة أعضاء الوسيلة الرئيسة لتطبيق التأثير من الأدنى إلى الأعلى. تقول إليزابيث جيبسون خبيرة التغيير و المستشارة في تنفيذ التغيير لدى تلك الشركة " لقد توصّلنا إلى جعل أعضاء الفريق - و هم من المستوى الرابع تحت الإدارة العليا – يخبرون قادة الشركة كيف تضرّ تصرفات هؤلاء القادة بعملية التغيير، و من جانبهم كان أولئك القادة يحسنون الإصغاء و التجاوب"
إن الجهد المتبادل للتغيير - من القمة نحو الأدنى و من الأدنى نحو القمة – يشكّل آليةً تؤدّي إلى ما يصفه المستشار مارك مورفي بـِ " إقرار المنظّمة book-ending the organization – أو تركينها بين ركيزتين- "
و يضيف مورفي، الرئيس و المدير التنفيذي لمعهد مورفي للقيادة في واشنطن و مستشار مبادرة التغيير لدى هاموت: " المقصود بالأدنى في هذا السياق هو الزبون – الذي لا وجود لمؤسّستك من دونه- و موظف الخط الأمامي – الوجه الذي تتواصل به المنظمة مع الجمهور – و لا بدّ من حضورهما في أية مبادرة يرجى لها تغيير شيء بالفعل "
إن "إقرار المنظّمة" يحدث في مستوى الإدارة الوسطى، لأن المدير في هذا المستوى يجتمع لديه مباشرةً جهدا التغيير الصاعد و النازل. أجل، إن هذا الاجتماع يحمل معه قدراً من التعب، و لكنه تعب مثمر. و يتابع مورفي: " بقدر نجاح قادة المستوى المتوسط في التلاؤم مع الزبون و العاملين و مع المدير التنفيذي، بقدر ما يكتسبون قوة نجاح هائلة لا يكاد يوقفها شيء "
و بالرغم مما سبق فإن الإدارة العليا تبقى حاملة المسؤولية النهائية عن نجاح مبادرة التغيير. و في ذلك يقول روبرت بلاها المشارك في تصميم برنامج LM-21
" إن كثيراً من مبادرات التغيير تفشل لدى الإدارة الوسطى بسبب الإدارة العليا. إننا نرى القيادة تبيّن ما تريد و لكنها لا تؤمّن الموارد اللازمة لذلك. أو ربما تؤمّن القدرات و الكفاءات اللازمة و لكنّها لا تغيّر الموازين و المكافآت
لاستحثاث تغيير السلوك. و إذاً، إن واجب القيادة العليا الفعّالة يتضمّن إيجاد الروافع و المحفّزات الملائمة لتحويل أمواج مقاومة التغيير إلى تيّارات دعم تنجز التغيير "
|