|
نمو شركتك سلاحٌ ذو حدين. إذا أحكمت مراقبته و أحسنت إدارته فإنه يصبح منبعاً للفوائد لدى قادة الشركة و موظفيها و مساهميها و كلِّ أصحاب المصلحةِ فيها. و إذا تُرك النمّو يمضي دون تخطيط و رقابة فإنّه كثراً ما يكون بوابةٍ للمشكلات و الإخفاقات.
ما تعنيه هذه الازدواجية في تأثير النمو هو ضرورة الموازنة و ضبطِ الحاجة الملحَّة إلى تحقيق نموّ الشركة، بالحاجةِ إلى الوعي العميق لحقيقةِ أنَّ النمو المجدي و المربح و المستدام لن يأتيَ إلاَّ نتيجةً للإدارة و التخطيط الفعَّالين. و الإخفاق في تحقيق هذا التوازن لن يقود إلاَّ إلى كشف الشركة أمام هجمات المنافسين و مطالبات الدائنين و أصحاب المصالح العدائيين، و تعريضها للوقوع لقمةً سائغةً للمتخصّصين في الضمِّ و الابتلاع.
لقد أمضيت معظم حياتي المهنية في مساعدة الشركات المختلفة الأحجام و الأنواع على تطوير استراتيجيات عملها. و خلال ذلك كله رأيت الجميع منهمكين في تحقيق النمو بأي طريقةٍ كانت
– من خلال زيادة العوائد، أو الأرباح، أو عدد الموظفين أو الزبائن، أو الحصة السوقية...-
و لكنَّ رأيي هو أنَّ دنيا الأعمال المعاصرة تزيدُ من الإلحاح على وضع الشركات المتوسطة الحجم و النضج أمامَ تحدّي الإجابة على هذا السؤال: كيف ننمو و متى؟ و تندرجُ ضمن هذا التحدي مجموعةٌ من الأسئلة العريضة:
-
ما هي الاستراتيجيات الواجب استخدامها لتيسير النمو؟
-
كيف نقررُ فعالية هذه الاستراتيجيات لدى تطبيقها في شركتنا في الوضع الراهن؟
-
هل تعاني شركتنا من عراقيل في تنظيمها تمنعها من تطبيق الاستراتيجيات المختارة؟
-
كيف يمكننا تعظيم الاستفادة من نقاط القوة لدينا و التعويض عن نقاط الضعف؟
-
كيف يمكنُ لإستراتيجية النمو المختارة أن تعرِّضنا لمخاطر جديدة، أو تكشفنا لهجمات المنافسين؟ و من هم هؤلاء المنافسون؟
-
هل هذا التوقيت ملائمٌ للنمو؟ أي: هل لدينا بالفعل قاعدةٌ ملائمةٌ للنمو؟
-
هل لدينا رأس المال الكافي لدعم النمو؟
-
هل ظروف السوق ناضجةٌ من أجل اغتنام فرص النمو؟
نَ التحديات و المصاعب المرتبطة ببناء الشركة في مرحلة النمو المتوسط تلقي على قادة الأعمال أعباءً جديدة، و التغيرات العديدة التي يحملها تقدُّم الشركة في دورة نموِّها تحملُ معها تحدياتِ جديدة على المستويات المختلفة الإدارية و القانونية و المالية...
-
النمو مسؤولية مخطّطة قبل أن يكون فرصةً تأتي من عالم الغيب:
النمو يعني أن لديك مزيداً من الموظفين الذين ينشدون التوجيه و القيادة من الإدارة الأعلى، و نتيجةً لذلك فإنَّ الإدارة ستتجه شيئاً فشيئاً نحو مزيدٍ من اللامركزية. هذه اللامركزية في الإدارة قد تخلق مستوياتٍ أعلى من التحالفات السياسية الداخلية، و التكتلات المغلقة و بالتالي تنشأ الخلافات على أولوية الأهداف و المشاريع التي يجب على الشركة التركيز عليها.
النمو يعني اتساع الحصة السوقية، و بالتالي الحاجة إلى استراتيجياتٍ جديدة للتعامل مع منافسين أكبر.
يتطلب النمو رأسُ مالٍ أكبر و هو ما يحمِّل الشركة مسؤولياتٍ جديدة تجاه حملة الأسهم و المستثمرين و المقرضين المؤسّساتيّين.
إنَّ النمو يحمل معه تغييرات عديدة مختلفة في هيكيلية، و احتياجات، و أهداف الشركات الصغيرة. و هذه الوجبة الهائلة من التغييرات كثيراً ما تكون عسيرة الهضم و تحتاج الاستفادة منها إلى معدةٍ قوية و جسمٍ صحيح. و من أهم المكونات الحيوية في تنفيذ خطة النمو هو الزخم momentum ( القدرة على الاستمرار و التصاعد). و هكذا يجب على القيادة ضمان وجود الموارد و النظم اللازمة لمتابعة التقدم نحو الأهداف المحددة. و لكلِّ يومِ و أسبوع و شهر و فصل و سنة يجب على الإدارة أن تضع نقاط استدلالٍ معيارية benchmarks لقياس تقدمها نحو الأهداف.
إنَّ تلاشي الزخم لفترة طويلة قد يكون ضربةً قاضية، فهو يعرقل دخول الشركة في دورات رأسمالية جديدة، و يمنع توصّلها إلى الموارد اللازمة لمواصلة النمو. و كذلك فإنه يصعِّب جذبَ و احتفاظَ الشركة بالموظفين الأكفاء اللازمين لتنفيذ خطة النمو.
الشركات المداومة على قياس الأداء بالنقاط المعيارية، بالإضافة إلى تركيز و اجتماع قيادتها على الاحتفاظ باندفاعٍ عالٍ للموظفين، و علاقاتٍ متينة مع الزبائن هي الأقدر على الاحتفاظ بزخمها.
الإعداد للنمو- العوامل الداخلية:
قبل الشروع في تنمية الشركة فإنه لا بدَّ من وضعِ تصورٍ متكامل للقاعدة التي ينبغي توفيرها حتى يتاح للشركة الانطلاق في مسار النمو. إنَّ التحليل العميق و البحث عن نواحي القوة و السبل المثلى للعمل سوف يساعد على تركيز جهودك على الفرص ذات الحظوظ الأكبر في النجاح كما إنه يساعدك على المزيد من التعمق في اكتشاف الثغرات و نواحي الضعف. و عموماً ينبغي عليك البدء بتحليل النواحي الداخلية التالية:
-
التكاليف و العوائد:
تفحص كلّ قطاعٍ من قطاعات الشركة و انظر هل تتصاعد عوائده أم تتراجع؟ و ماذا عن هامش ربحيته؟، أيّ الأقسام يبين نجاحاً متميزاً؟ و لماذا؟، هل لدينا تدفق سيولةٍ إيجابي غزير؟
-
العناصر البشرية:
من هم الموظفون الذين لديهم مهارات متميزة، أو يحصّلون نتائج متفوقة؟ في أيِّ موقع تتمتع الشركة بأفضل إدارة و تخطيط و تنظيم؟ هل لدينا الطاقم البشري القادر على تدبير النمو المتوقع، أم علينا توظيف عناصر جديدة؟
-
رسالة الشركة أو مبادئها:
هل لدينا بيانٌ مكتوب يبيّن رسالتنا؟ هل يوضح هذا البيان أسس عملنا بدقة بحيث نميِّز بينَ الأنشطة الملائمة و غير الملائمة لتحقيق أهدافنا؟ هل تلاحظ أيَّ تشتيت لمواردك نتيجة الدخول في نشاطاتٍ لا تتفق مع رسالة شركتك؟
هل أسّستَ قيماً جوهريةً لعملك و جعلت موظفيك يعتنقون تلك القيم؟
-
الإعداد للنمو- العوامل الخارجية:
بعد دراسة عملك من الداخل عليك توجيه البحث إلى العوامل الخارجية حتى تتبيّن إن كان الوضع يؤهلك للاستفادة من اتجاهات و دورات العمل الجارية. و تتضمن هذه العوامل:
-
السوق:
هل حصتك السوقية ( أي نصيب شركتك من المجموع التقديري للنشاطات المتاحة) تتزايد أم تتناقص؟ هل تعتمد إستراتيجيتك التسويقية على أبحاث السوق أم على التقدير و التحزير؟
هل تتوسع قاعدة زبائنك أم تنكمش؟
-
المنافسة:
هل تعرف بدقة من هم منافسوك، و في أيّ ناحيةٍ يمثلون التهديد الأشد؟ أيُّ قطاعٍ في شركتك هو الأكثر انكشافاً لهجمات المنافسة و أيها الأوفر حماية؟ ما هي قطاعات السوق التي تشهد منافسةً مفرطة الازدحام؟
-
المناخ الاقتصادي:
هل يُتوقّع تأثّر شركتك بالظروف الاقتصادية و كيف؟ ( مثل تكاليف التعاملات البنكية، التضخّم، حركة الإعمار و الإسكان، ربحية الصناعة )
هل تقوم بما يلزم للبقاء في مقدمة الأحداث بحيث تتمكن من استباق التغيرات في السوق، أم إنّك كثيراً ما تُفاجأ بالتطورات المؤثّرة على شركتك؟
إنَّ إجاباتك على الأسئلة السابقة سوف ترسم لك صورةً واضحة عن نقاط القوة في شركتك و عن النقاط المحتاجة إلى إصلاح و تقوية، و تبين لك إستراتيجية النمو الأفضل نتيجة.
تأمَّل الأسئلة السابقة بعمق و أجب عليها كما لو أنّ نموّ شركتك يتوقّف على تلك الإجابات ( بل هو يتوقف عليها بالفعل ) و بعد ذلك ستجدُ أنَّ خطوات البحث السابقة سوف تساعد شركتك على تحديد أهداف النمو، و إبقاء هذه الأهداف في إطار التقويم الصحيح، و مراقبة تقدم إستراتيجيتك.
|