Alternative content

لم يعد كافياً التقاط الأفكار... اجعل مؤسستك مصنعاً للابتكار!


الإلهام رائع و لكن! قبل كلِّ شيء الابتكار عمليةٌ مخططة

روبرت هوف و آخرون

اسأل معظم الناس من اخترع المصباح الكهربائي؟ و سوف تجد معظمهم يعطونك الإجابة الخاطئة دونَ تردُّد

" توماس ألفا إديسون! "

الحقيقة هي أنَّ المخترع الشهير حينما أظهرَ اكتشافه الخطير للعالم عام 1879 إنَّما كان يتابع جهود آخرين سبقوه بعقود. و السؤال الذي يطرح نفسه هو التالي: " لماذا استأثر إديسون بالمجد ؟"
الإجابة المهمَّة تكمن فيما فعله بعد الاختراع و لم يفعله كلّ من سبقوه.( وذلك حسب رأي آندرو هارجادون مؤلف كتاب How Breakthroughs Happen: the Surprising Truth about How Companies Innovate )

حتَّى يوصل ابتكاره إلى الجمهور، عكف إديسون و فريق عمله الكبير سنوات طويلة و هم يبنون النظام الكهربائي كلّه، بدءاً من قواعد المصابيح و فواصل الأمان و انتهاءً بلوازم توليد الطاقة و شبكة التوصيل. وعند ذلك صار المصباح الكهربائي الابتكار الذي أضاء العالم فعلاً.

و باختصار يمكننا القول: إنَّ إديسون تفوَّق على من سبقوه في مهمةٍ حيويةٍ لا بدَّ منها. إنَّها إدارة عملية الابتكار من بدئها إلى نهايتها، من فكرة المصباح المتوهج إلى المنتج النهائي. و اليوم بعد مضي أكثر من قرنٍ و ربع على تلك القصّة فإنَّ عملية الإبداع ما تزال على الصعوبة نفسها و ما تزال تتوقَّف على القيام بتلك المهمَّة.

قد يكونُ من الأسهل لنا أن ننتظر موافاة الحظ لنا بين الفينة و الأخرى دون عناء، و لكنَّ سرّ الإنجاز الحقيقي هو جعلُ الإبداع يتكرَّرُ مرةً بعد مرةَّ كلما احتجنا إليه و حيثما احتجنا إليه.

" إدارةُ الابتكار تعني تهيئة البيئة المناسبة حتّى تضربَ الصاعقة المكان نفسه مراتٍ عديدة، أجل هوَ مطلبٌ عسير و لكنه هو المطلب الذي لا بدَّ منه " يقول بول سافو مدير الأبحاث في معهد Think Tank.

الإبداع لؤلؤة في قاع المحيط. يمكنك انتظارها على الساحل و سوف يطول انتظارك....

لدى المدراء الضيّقي الأفق يبدو الابتكار غير قابل للتنبّؤ به و لا لإدارته، و عندما يسمعون حديثاً عن توقّعه و إدارته فإنَّ ذلك يماثل في نظرهم محاولةَ التنبّؤ بقوس قزح أو إدارة الفراشة. و ما الاختراعات المدهشة ( مثل التيفلون و البنسيلين و البطاقات الجاهزة للصق) في نظرِ هؤلاء إلاَّ حصيلةُ حوادث و مصادفاتٍ وجدت من يعرف كيف يستغلُّها. ( فالبنسيلين هو نتيجةُ ملاحظة تلوث فطريّ غير مقصود في أدوات الاختبار، و التيفلون هو نتيجة مادة تبريدٍ فاشلة، و البطاقات الجاهزة للّصق هي حصيلةٌ مطوّرة لمادة لاصقة رديئة! )

و استناداً إلى وجهة النظر هذه فإننا لا نستغرب عندما نرى كثيراً من كبار التنفيذيين يقلعون عن المحاولة و يقول قائلهم: " إنَّ طريقتنا بسيطةٌ جداً... إننا نحاول ألاَّ ندير الإبداع، و نترك إدارته للسوق "

لا أدري كيف تخفى عن هؤلاء المدراء ملاحظةُ أنَّ الاختراعات تُصنعُ صناعةً و لا تولدُ ولادة في أشدِّ قطاعات العمل فوضويةً و تغيراً... في وادي السيليكون! و لا أدري كيف تغيب عنهم ملاحظةُ الشركات الضخمة و هي تصنعُ حظوظها الطيبة و لا تنتظرها انتظاراً.

إنَّ هذه الشركات الضخمة مثل ( Procter & Gamble, Toyota, Apple, General Electric…) تنهمكُ في توليد و متابعة الأفكار الجديدة بالرغم من أنهم يعرفونَ أكثر من غيرهم بأن معظم هذه الأفكار لن يرى النور. و في ذلك يقول جيفري بيزوس مؤسس Amazon شركة التوزيع الإلكتروني:

" ينبغي عليك اقتحام كثيرٍ من الطرق المسدودة النهاية، و بين الحين و الآخر يفاجئك أحدُ هذه الطرق فتنفتح نهايته إلى دربٍ رحبٍ مذهل الثراء يجعلُ سلوك كلِّ تلك الدروب المغلقة أمراً مبرراً "

النجدة! الابتكار في جحيم السلع:

 مشكلة عصرنا الحديث هيَ أنَّ كثيراً من القوى تتآمر ضدَّ وصول المنتجات الابتكاريّة إلى السوق.

فالشركات الصغيرة، التي كثيراً ما تكون هي الأكثر إبداعاً، لا تحظى بالاعتبار و المعاملة اللائقة لأنَّ المشترين ليسوا متأكدين من مقدرتها على تقديم ما تعد به أو حتى من مقدرتها على البقاء و مواصلة دعم منتجاتها.

و أمّا لدى الشركات الضخمة فإننا نشاهد " مأزق المخترعين Innovator's dilemma " حسب تعبير كلايتون كريستينسين. فبسبب انصرافهم إلى تلبية حاجة زبائنهم المفضّلين إلى المنتجات الأكثر تقدماً و الأغلى سعراً( و هو ما يبدو مسلكاً معقولاً) فإنَّ هذه الشركات الناجحة تتجاهل، أو حتى تقمع منتجات النطاق الرخيص low-end الأقلَّ ربحاً. و مع تولِّي الشركات الناشئة إنتاجَ هذه المنتجات الرخيصة و تحسينها فإنّها تبدأ في النخر و الامتصاص من الأسواق الرئيسية للشركات الكبرى. و هكذا تقع الشركات الضخمة في مشكلةِ أنَّ تركيزها على رعايةِ أسواقها الرئيسية يضرُّ هذه الأسواق!

و مع انتشار ظاهرةِ تولّي الشركات الصغيرة الناشئة لتوليد الابتكارات و امتدادها إلى معظم الصناعات فإنَّ

" كلَّ الشركات الكبيرة تجدُ صعوبةً هائلةً في الإتيان بمنتجها الكبير التالي" حسب قول جيرارد موني مدير الاستراتيجية في شركة IBM.

مخرج النجاة؟ إدارة أفضل للابتكار:

" إن إدارةً أفضل للابتكار قد تكون هي السبيل الوحيد للخروج من جحيم السلع commodity hell " يقول جيفري إيمليت رئيس شركة جنرال إليكتيرك.

في عالم اليوم، امتلاك أكبر المصانع، و إطلاق أضخمِ حملات الدعاية لم يعد كافياً للبقاء في الطليعة. فدورات حياة المنتجات القصيرة، و عقود التصنيع الفائقة الكفاءة التي يستفيد منها أصحاب الأعمال الناشئة لاختراق الأسواق بسرعة، و التخمة الهائلة في استطاعات المصانع التي تؤدي إلى تخفيض الأسعار، كلّها تؤدي إلى انقراض مفهوم العصر الصناعي القديم للأفضلية التنافسية.

في عصر المعلومات أصبح واضحاً أن الاختراع المتسلسل هو مهارةٌ أساسيةٌ لا بدَّ منها.

 و يوضّح الأمر لنا جون سيلي براون الأكاديمي المرموق و رئيس مركز أبحاث شركة زيروكس فيقول:

" إن موهبة التقاط الاكتشافات العرضية هي أمرٌ رائع، و لكن لا يمكننا ترك الابتكار للصدفة. لم يعد المالُ متاحاً لنا دون حساب كي ننفقه و كأننا نلهو..."

و بما أنَّ الحاجة هي أم الاختراع فإننا نرى الازدهار الاقتصادي في تسعينات القرن العشرين يولّد أفواجاً من المنافسين الجدد المتميزين بالسرعة و المرونة الفائقتين و هكذا فإنَّ الشركات الكييرة الناضجة قد وجدت نفسها أمام تلك التهديدات مجبرةً على نفض عاداتها القديمة و الالتفات نحو الابتكار بعنايةٍ أكبر و بعيونٍ جديدة.

و حتى مع تخفيف المظهر المفزع لبعض تلك التهديدات في ضوء الازدهار الاقتصادي المحيط بها، فإنّ الحكماء من قادة الأعمال قد أدركوا أنَّ ثمة ميزةً تنافسيةً في مواصلة دفع شركاتهم نحو إعادة التفكير في أساليبهم المتبعة لتوليد المنتجات و الخدمات. و بكلماتٍ أخرى مواصلة الدفع نحو إعادة التفكير و النظر في الابتكار بحد ذاته.

و في ذلك يقول جيلبرت كلويد مدير التقنية في بروكتر آند كامبل " كانت سنة 2000 فترةً حرجةً جداً، أجبرتنا على التحرّك"

بعض الأساليب التي تعتمدها الشركات لدفع الابتكار، مثل تحديد أهداف شديدة الارتفاع إلى درجةٍ تقارب المستحيل، و المضي في التجربة دون هوادة، قد تبدو مألوفةً في أماكن مثل " وادي السيليكون". و لكنها كثيراً ما تبدو متهوّرةً ، أو مبذِّرة في نظر الشركات التقليدية. و بعضها الآخر مثل فتح إجراءات الشركة و بحوثها على العالم الخارجي قد تبدو جديدةً و مثيرةً للجدل. و في كلِّ الأحوال يبقى العنصر الجامع المشترك بينها جميعاً هو الشجاعة.

إنّ الشركات التي كتب لها الاستمرار هي تلك التي راهن قادتها على المستقبل معتمدين على الابتكار و ليس على خبراتهم و قدراتهم التسويقية أو قوتهم التصنيعية الجبّارة و حسب.

الأهداف الخطرة:

وحده من يحاول التحليق عالياً جداً يمكنه معرفة إلى أي ارتفاع شاهقٍ يمكنه أن يحلِّق

تبدو شجاعة تلك الشركات أولاً في عدم خوفها من التفكير الطامح على مستوىً كبير، و التطلع نحو أهدافٍ يراها الكثيرون شديدة الخطورة.

مثلاً، تأمّل في شركة Apple رائدة الكمبيوتر الشخصي. في عام 2001 توصّلت الشركة إلى فكرة إنتاج مشغّل موسيقى رقميّ على غرار مشغل أشرطة الكاسيت " walkman " الذي ابتدعته Sony. و بالرغم من تمكُّن الشركة من إظهار مشغِّلها الرقمي الآي بود iPod بعد تسعةِ أشهر، فإنَّ رئيس الشركة ستيفن يوبز سرعان ما رأى أنَّ بيع العتاد المادي لا يكفي و ينبغي التجاوز إلى ما وراءه، و هكذا شرع في العمل على ما كان يبدو في حينها مستحيلاً: إتاحةُ نفاذٍ سهلٍ و مشروع إلى كميةٍ ضخمةٍ من الأغاني و الموسيقى! و بحلول أبريل 2003 كان يوبز قد توصل إلى هدفه. بعد جهودٍ مضنية لتسوية قضايا الحقوق الرقمية مع شركات التسجيلات المترددين و الخائفين من المشروع، افتتحت Apple متجرها الإلكتروني الأول لتنزيل التسجيلات الذي ضمَّ مائتي ألف أغنية، و الذي سرعان ما وصل إلى رقم غير مسبوق تجاوز المليون أغنية. و بذلك أصبحت Apple المالكة لأحدث و أشدِّ المنتجات التكنولوجية انتشاراً، بمبيعاتٍ وصلت إلى 3.7 مليون من أجهزة iPod و بعوائد تصل إلى مليار دولار.

و في ذلك يقول يوبز: " أجل! يمكننا ابتكار حلٍ كاملٍ و فعّال! "

و زيادةً على النجاح الآنيّ الباهر فإنَّ رهان يوبز الكبير ساعده على إعادة رسم و تعريف الشركة. فتلك الشركة ذات الحصة الضئيلة في سوق الكمبيوتر (2%) كانت أمامها فرصةٌ كبيرة كي تصبح قوةً مسيطرةً في السوق الجديدة المتفجّرة، سوق الترفيه الرقمي. إنَّ هذا الانتقال الجذري يتباين تبايناً صارخاً مع المسارات الآمنة التي يلتزم بسلوكها كثيرٌ من الشركات. و في ذلك يقول ريتشارد نيوتن عميد كلية الهندسة في جامعة كاليفورنيا. " إنّ ما نفتقده اليوم هو القيادة الملهَمة، التي لديها رؤية هائلة الارتفاع تكفي لتوليد المنجزات العظيمة على طول المسار "

- قطرات المطر تكوّن البحيرة الواسعة و التفاصيل تصنع النقلة النوعية الهائلة:

التفكير الكبير مهمٌ دون ريب، و لكنَّ إنجاز التفاصيل لا يقلُّ عنه أهميةً من أجل دفع الابتكار المستمر.

قبل سنوات قامت شركة Toyota بإدخالِ تعديلٍ وحيدٍ على خطوط إنتاجها. و كان يقضي باستخدامِ إطارٍ واحدٍ لحمل هياكل السيارات على خطّ التجميع، بدلاً من الإطارات الخمسين المختلفة المستخدمةِ سابقاً.

في سياق نظام تويوتا الإنتاجي الشهير بتعقيده و ضخامته، بدا ذلك التغيير ضئيل الأهميَّة. و لكنّ هذا النظام العمومي لخط التجميع قد أتاح بعد إنجازه و تشغيله تخفيض 75% من تكاليف تعديل الخط لاستقبال موديلات السيارات المتغيّرة، و كان ذلك هو السبب في مقدرة تويوتا على تصنيع العديد من الموديلات على خط الإنتاج الواحد. لقد ساهم ذلك التغيير في تقليص تكاليف التصنيع بنحو 2.6 مليار دولار عام 2003 ، و ساهم في تحقيق أرباحٍ تتجاوز أرباح شركة فورد و شركة جنرال موتورز مجتمعتين!

إنَّ نموذج شركة Toyota السابق هو مثالٌ على الأهميةِ الشديدة لإدارة الابتكارات الجزئية الصغيرة و الهائلة العدد و التي تؤدي  مجتمعةً إلى تحقيق التحول الكبير.

من خلال عملية التحسين المتواصل ( كايزن Kaizen ) كانت تويوتا تحاول دون هوادة إيجاد طرقٍ جديدة لتحسين كلِّ خطوة بدءاً من التصميم و انتهاءً بالتجميع.

إنَّ القيام بما سبق يحتاج إلى تلك الشركات الابتكارية الشديدة التمسك بالجودة. تلك الشركات التي لا تتوقف عن محاولة استغلال الفرص و تذليل المشكلات، تلك الشركات التي تعلم أنَّ تأخّرها عن استغلال الفرص أو معالجة العقبات يعني أنَّ أحداً آخر سوف يقوم بذلك، و لا يمكنها السماح بذلك أبداً!. و في ذلك يقول جون هينسي رئيس جامعة ستانفورد و المشارك في تأسيس شركة MIPS للرقاقات الإليكترونية:

 "  أن تتولّى إطلاق النار بنفسك و تصيبَ قدمك خيرٌ من أن يتولى إطلاق النار أحدٌ آخر و يصيب شركتك في مقتل"

و في عام 1999 عندما لاحظ مديرو شركة Amazon بدء الصعود الهائل لشركة eBay ، بادروا إلى إطلاق موقع المزادات الإلكتروني الخاص بهم حتى يسحبوا من شريحة البائعين ذاتها و من نبع العمولات العالية الربحية. لكنَّ اندفاع eBay كان قوياً جداً و بإزائه سرعان ما تضاءلت مزادات أمازون.

ثمَّ افتتحت أمازون أيضاً (zShops  زي شوبس ) و هي معارض مخصصةٌ لتجارٍ مستقلِّين على موقع أمازون. و هذه المحاولة الثانية لافتتاح سوقٍ جديدة لم يكتب لها الاستمرار أيضاً.

و في أواخر العام 2000 خرج الأمازونيون بفكرةٍ جديدة! فلنترك البائعين الآخرين يعرضون منتجاتهم على الصفحة ذاتها التي تعرض منتجات أمازون. و النتيجة؟

" إنَّ دعوة الباعة الخارجيين (third party sellers ) إلى عقر دارنا هو الذي بعث الحياة في العمل حقاً!" حسب قول بيزوس – مؤسِّس شركة أمازون-

بعد ذلك النجاح الأخير فإنَّ أمازون لم تهدأ بل مضت قدماً في خطوتها المبتكرة، و سرعان ما تحولت إلى مثالٍ بارزٍ للنجاح. أصبح نحو 26 بالمئة من الوحدات المبيعة في موقع Amazon.com يتم عبر الباعة الآخرين الذين استهوتهم السهولة الكبيرة لإدراج معروضاتهم لدى تلك الشركة.

يقول سكوت وينغو الرئيس التفيذي لإحدى الشركات الاستشارية التي تسهّل للتجار الكبار البيع على مواقع Amazon  و eBay " إنّ منصّة مبيعات أمازون لا تعلو عليها أية منصّة أخرى. و هامش ربحية العمولات الذي يتجاوز الستين بالمئة، و الرسوم التي تتقاضاها أمازون تمكّنت من الاستمرار و مواجهة انقضاض الشركات الأخرى cannibalization"".

و يقول بيزوس أيضاً " إن الذين يشترون الكتب المستعملة هم زبائن للكتب الجديدة أيضاً " و كل تلك المزايا ساعدت الشركة على تسجيل أربعةِ فصولٍ متتالية من الأرباح المتصاعدة.

المثابرة على التواصل و التطوير Connect and Develop:

لم يكن بيزوس عنيداً و حسب. لقد انهمك ذلك الرائد أيضاً في جعل تجاربه المستمرة اقتصاديةًً عن طريق المحافظة على فرق العمل صغيرة الحجم و رشيقة الحركة و التحوّل حتّى لا تستنزف في حالات الإخفاق الكثير من الوقت أو المال. و في ذلك يقول بيزوس " بقدر ما تتمكن من تنظيمِ فرقٍ صغيرة  - يكفي أفرادها وجبتا بيتزا- بقدرِ ما تحصلُ على المزيد من الإنتاجية"

و يقول البروفيسور تيشزبرو Henry Chesbrough مؤلف كتاب (الإبداع المفتوح: الشرط الجديد لخلق التكنولوجية و توليد الربح منها) " بوتيرة متصاعدة، تعيد الشركات التفكير في مصادر الابتكار، فأفضل الأفكار لا تنحصر منابعها دائماً في مختبرات الشركات المخصصة للأبحاث و التطوير. و هكذا يصبح مطلباً حيوياً تحطيم الحواجز القائمة داخل الشركة بين الأبحاث و التصنيع أو التسويق، و في الوقت ذاته الاتصال مع الخارج المحيط بالشركة طلباً للأفكار الجديدة. و لكن هذا الانفتاح و التواصل ليس بالمطلب السهل، فالكثير من القوى المؤثرة تقاومُ فتح عمليات الابتكار لدى الشركات"   

لعلّ أوضحَ مثال على ضرورة هذا الانفتاح بالرغم من عوامل مقاومته، نراه لدى يروكتر آند كامبل Procter & Gamble. لقد تجمّد نمو و ربحية تلك الشركة سنوات عدّة قبيل العام 2004. و كان أحد العوامل المشاركةِ في ذلك هو بعض المنتجات الباهظة التكلفة المطوّرة داخل سياج الشركة.

و مع وصول الرئيس التنفيذي الجديد آلان لافلي Alan G. Lafley  بدأت الأمور تنقلب رأساً على عقب. لقد استبدل نصف العناصر القيادية في قمة الشركة، و لاستحثاث مجموعات عمل المنتجات على التواصل و التطوّر استدعى خبراء من مجالات عملٍ بعيدة للمساعدة في توليد المنتجات الجديدة.

مثلاً: عندما قررت بروكتر آند كامبل دخول سوق العناية المنزلية بالسيارة، فإن باحثيها لم يبدؤوا من الصفر. بل بحثوا حولهم أولاً داخل الشركة عن خبراتٍ تتصل بالهدف المنشود ، و سريعاً ما وقعوا على كنزٍ ثمين! أجل لديهم في إحدى مجموعات عمل الشركة خبراء في فلترة المياه يعرفون كيف ينتزعون الشوارد من الماء للتخلص من الأملاح و مركبات المعادن الذائبة فيه، و يتوفر لدى وحدةٍ أخرى مركّبٌ خاصٌ بالحد من التبقعّ التالي لجفاف الماء. ثمَّ استخدموا كلتا التقنيتين في منتجهم الذي عرف لاحقاً باسم  Mr. Clean AutoDry . لقد حقق هذا المنظِّف البخّاخ انتشاراً واسعاً إلى درجة أنه ساعد في زيادة المبيعات الإجمالية للاسم التجاري Mr. Clean بأكثر من الضعف. كما أظهرَ هذا المنتج للشركة طريقةً جديدة لتوليد الابتكار. و في ذلك يقول كارل رون Karl Ronn نائب رئيس قسم العناية المنزلية في بروكتر آند كامبل

 " الابتكار اليوم هو أشبه بالارتجال في عزف موسيقى الجاز ، و ليس بعزف النوتة المكتوبة مسبقاً "

لم يتوقف لافلي عند ذلك الحد. بل تابع التوسع في التواصل و الانفتاح حتى أصبح نصف أفكار المنتجات الجديدة لدى الشركة يأتي من خارجها، و ذلك بعد أن كانت الأفكار الخارجية لا تتعدّى العشرين بالمئة في العام السابق. لقد أدّى هذا التوجّه إلى توليد منتجاتٍ عديدة واسعة الانتشار مثل: Olay Regenerist كريم مكافحة التجاعيد المستندِ إلى مركّب لترميم البشرة من إنتاج إحدى الشركات الفرنسية. و اتضح أنَّ هذا التوجّه يؤتي ثماره. لقد كان النمو في إجمالي عدد الوحدات المبيعة overall unit growth  يساوي الصفر في عام 2001، و بعد هذا الاتجاه نحو الانفتاح و الاستحواذ على الأفكار الخارجية نراه يقفز إلى ثمانيةٍ بالمئة. و تصاعدت الأرباح الإجمالية إلى 44% مرافقةً لزيادةٍ في المبيعات قدرها 10%. و يضاف فوق هذا كلّه قيمة الأفكار المستحوذ عليها.

ما حكَّ جلده مثل ظفره.... فليتولَّ الزبون جميع أمره:

بعد المثال السابق نرى شركاتٍ أخرى تنمو و تتوسع بطرقٍ أكثر ثورية. و من هذه الطرق الاستناد إلى خبرات الزبائن أنفسهم لتوليد المنتجات و الخدمات الجديدة. و هكذا لم تكن مارغريت ويتمان الرئيسة التنفيذية لشركة eBay تبالغ حين خاطبت الآلاف من الباعة و الشراة الحاضرين في المؤتمر السنوي الإلكتروني " أنتم جميعاً معنا في غرفة الاجتماع كلما أردنا أن نصنع قراراً ".  تثابر eBay على مراقبة ماذا يباع و يشترى على الموقع و تسعى سعياً حثيثاً وراء التغذية الراجعة من المتعاملين. و بفاعلية حقيقية فإنها تترك زبائنها يقررون اتجاه الخطوة التوسعيّة التالية. و بالاطلاع على زمر المنتجات الهائلة الاتساع و التنوّع، و على حجم المبيعات السنوي الهائل، و قيمة الشركة المتصاعدة نتأكد من أن هذا التوجه توجهٌ مربحٌ حقاً.

قد يكون تتبع الأسلوب السابق عسيراً على كثيرٍ من الشركات التقليدية، و لكنّ فكرة إدخال الزبائن إلى قلب العمل للمساعدة في توليد المنتجات الجديدة تبقى فكرةً مهمةً يتزايد حضورها في الشركات الأساسية في الأسواق المعاصرة.
مثلاً: في عام 2000 وقّعت شركة IBM اتفاقاً مع شركة GM للقيام بتطويرٍ مشترك لحاسوبٍ فائق supercomputer من أجل أعمال التصميم و اختبارات التحطُّم التي تجريها GM . و النتيجة؟
لقد وفّر هذا الحاسوب على شركة السيارات أكثر من بليون دولار من نفقات تطوير المنتجات خلال السنوات الثلاث التالية، واختصرت بنسبة 64% مدةُ وصول السيارة من مرحلة التصميم إلى مرحلة التسليم إلى الموزّع.
و أما شركة IBM – التي تشاركت مع عميلتها GM - فقد كان مكسبها كبيراً أيضاً و لعلّه فاق مكسب جنرال موتورز. إن العمل المبذول في رقاقة المعالج، ونظم التشغيل، و البرمجيات الأخرى من أجل إثبات ريادتها في مجال الحوسبة الفائقة supercomputing  قد ساعدها على تحقيق دفعٍ هائل لعملها في مجال المخدّمات التجارية. " لقد حصلنا على ميزة تنافسية هائلة" يقول برنارد شفارتز أحد القياديين المسؤولين عن تطوير المنتجات لأجل جنرال موتورز. و في أغسطس 2004  ذكر بعض المراقبين أن IBM قد وسّعت حصتها في سوق المخدّمات لتصل إلى نحو 31%. 

بالرغم من كل ما سبق، ينبغي التذكير بأنَّ المغزى النهائي للابتكار يبقى أكثر من مجرد الخروج بمنتجاتٍ وخدماتٍ جديدة. إنه خلق أسواقٍ جديدة لم يدخلها أحدٌ من قبل، بل و الأرقى من ذلك تقديمُ شيءٍ يغيّر طريقة حياتنا و عملنا. لم يكن الابتكارُ في يومٍ من الأيام محصوراً في إضافة المزيد من التعقيدات و الأجزاء الصغيرة.

و في ظلّ اقتصاد الخدمات المزداد انتشاراً في معظم أنحاء العالم يصبح تجاوز الابتكار للأغراض المادية أشدَّ لزوماً من أي وقتٍ مضى. وهكذا نرى أنّ بعض أنجح الشركات المعاصرة من Virgin Group Ltd إلى eBay لا تكتفي بابتكار المنتجات و الخدمات و إنما تبتدع أنماط عملٍ جديدة.
 

عزيزي العميل أهلاً بك في بيتك!:

كثيرٌ من الناس لا يرون في شركة ستاربكس Starbucks  أكثر من تجمّع متخصص في القهوة المنكّهة الفاخرة. و لكن رئيس الشركة هوارد شولتز ليس واحداً من هؤلاء.

- إن شولتز يعتبر الثمانية آلاف متجر في سلسة الشركة كمكانٍ ثالثٍ لتوقف الناس بعدَ بيوتهم و مقرّات أعمالهم. و بسبب هذه النظرة كان لخدمة اتصال الإنترنت اللاسلكي داخل المتاجر التي بدت غريبة و ناشزةً في البداية، أن تتحوَّل إلى معلمٍ

بارزٍ من معالم النجاح و تحقيق الأرباح. على الرغم من عدم تقدير الشركة لثمرات هذه الخدمة تقديراً كمياً معلناً، فإننا نلاحظ أنّ الناس الذين يستعملون الخدمة يقضون في المقهى تسعة أمثال الزمن الذي يقضيه من لا يستعملونها – خمس دقائق- و بالتأكيد فإنهم يتناولون خلالها كميةً أكبر من القهوة و توابعها. ثمَّ إنّ معظم من يدخلون الشبكة إنما يفعلون ذلك بعد ساعات الذروة النهارية، و هكذا فإنّهم يملؤون المتاجر في فتراتٍ كانت تعتبر ضعيفة الحركة. و تقول آن سوندرز إحدى قيادات الشركة " لو أننا نظرنا إلى أنفسنا على أننا شركة قهوةٍ و حسب لما كان لنا أن نقدمَ على هذه الخطوة "  

 - ألهمت شبكة الإنترنت اللاسلكية القيام بمبادرةٍ أخرى ساهمت في تغيير مصير الشركة. إنها خدمة المقاهي الموسيقية Hear Music Coffeehouses.  تضم هذه الخدمة التي شملت خطتها المبدئية في 2005 أكثر من ألف موقع العشرات من محطات الاستماع التي تتيح للناس إعداد أقراصهم الليزرية على مزاجهم.

بالإضافة إلى خدمة الثلاثين مليوناً من زبائنهم الأسبوعيين فإن هذه المقاهي الموسيقية قد وضعت قدم ستاربكس على طريق إدخال التغيير في صناعة الترفيه و الموسيقى، أو على الأقل تغيير ستاربكس نفسها مرةً اخرى. 
من كان يتخيل أن قهوة ستاربكس  Starbucks و تقنيات آبل Apple سوف تتنافسان وجهاً لوجه في يوم من الأيام؟ في هذا التساؤل يتبيّن أحد الثوابت الأساسية في الابتكار: لا شيء يبقى ثابتاً.

إن القبول بالآثار الخلافيّة أو التفكيكيّة disruptive للابتكار يتطلبُ ثقافةً يدعوها رئيس شركة أمازون " ثقافة عدم الرضا المقدّس" و التي بمقتضاها يمتلئ كلُّ فردٍ بشعورٍ داخلي ملحّ على تحسين كلِّ شيء....
إنَّ معظم الناس مبتكرون عندما يطلق سراحُ قدراتهم. نحن البشر الكائنات الوحيدة المميزة بالمقدرة و المفطورة على الرغبة في تحسين العالم. و الشركات القادرة على إطلاق هذه الفطرة البشرية المميزة هي التي سيكتب لها الازدهار.