|
في هذا العصر أصبح من واجب المديرين تسريع التغيير لأن المنظمات نادراً ما تتغيّر بالسرعة اللازمة من تلقاء أنفسها. و إذا تركت المنظّمات و شأنها فإنّ معدّلات تقبّلها للأفكار و وجهات النظر و أساليب العمل الجديدة ستكون في أفضل الأحوال متلفةً للأعصاب و ستكون سبباً في توليد المرارة و الاستخفاف بالمنظمة و الاستسلام لدى الموظفين المندفعين الموجودين في تلك المنظمة.
التغيير في المنظمات ليس إجراءً عمومياً. فهو يتراوح بين التعديلات الطفيفة و التهذيبات، و بين الثورة الجذرية و الاستبدال التام لأنظمة العمل و المنتجات و العمليات. و أيّاً ما كانت الحالة فإن المديرين الذين لا يستوعبون تماماً تدرّجات نموذج التغيير و لا يطبّقون ذلك الفهم في تنفيذ التغيير يسيئون إساءةً بليغةً إلى فرصة نجاحهم في الاستعداد و التكيّف مع المستقبل.
إذا استوعب المرء نموذج التغيير فيمكنه عندئذٍ جعل الابتكار و التجديد عمليةً مؤسسةً في منظمته و ليس حلقةً أو حلقاتٍ متناثرة تولدها الاحتياجات المتفرّقة أو الكوارث.
إنّ الإبداعيةّ، و الابتكار، و التحسين المتواصل ترتبط بالأفكار و مدارُ الأفكار إنما هو التغيير. فعندما تدور الفكرة في الرأس فذلك تغيير في الفكر، و عندما تنفّذ الفكرة ينتقل التغيير إلى الأشياء.
بعض التغييرات سهل بسيط و بعضها معقّدٌ يقارب المستحيل و لا ينبغي النظر و التعامل مع الحالتين تعاملاً مبسّطاً. فالخروج أبكر من المعتاد بعشر دقائق لتفادي ذروة الازدحام تغيير سهلٌ بسيط، و لكنّ أفكار التحسين الكليّ للمنظمات تستدعي التداخل بين البشر و العمليات و المجموعات لتنفيذ التغيير من الجذور.
نموذج التغيير كعمليةٍ من سبعة مستويات:
انظر إلى التغيير كسبعة مستوياتٍ متزايدة الصعوبة حيث تزداد جذرية التغيير و تعقيده مع كل مستوىً تال. إنَّ هذا النموذج يمكن دمجه مع رؤية أيّ قسمٍ أو منظمة ثمّ يدخل في أهدافها و ثقافتها و نشاطها اليومي، و عندما تنتقل المجموعة من التعلّم إلى الفعل فإنّ هذا النموذج سريعاً ما يصبح عنصراً متكاملاً ضمن سلوك المنظمة.
المستوى الأول – الكفاءة efficiency: القيام بالفعل كما ينبغي
أسهل التغييرات تحقيقاً هو تعلّم الطريقة الصحيحة للقيام بالأعمال. كثيراً ما ينجز هذا الأمر بمعونة خبير يتفهّم العمليات و يشرح للآخرين الإجراءات المعيارية الواجب اتباعها لتحسين الكفاءة. إن تغييرات هذا المستوى غالباً ما تكون تكيّفات شخصية مع المعايير و الإجراءات الجديدة و لا تتطلّب كثراً من المخاطرة و الجهد.
المستوى الثاني – الفعالية effectiveness: فعل الشيء الذي ينبغي
في هذا المستوى نكوّن صورةً شمولية من خلال التفهّم العميق لكل جوانب النشاط المعنيّ، ثمّ التركيز على الجوانب الأعظم تأثيراً. حسب مبدأ باريتو فإنّ عشرين بالمئة من الخطوات هي التي تولّد ثمانين بالمئة من النتائج، و لتحسين الفعالية ينبغي تحويل الطاقة إلى تلك العشرين بالمئة ( أي الأشياء التي ينبغي عملها) و بعد ذلك ننطلق إلى تطبيق تفكير المستوى الأول على الأولويات التي توصلنا إليها في المستوى الثاني ليصبح تفكيرنا و عملنا الآن فعل الشيء الصحيح بالأسلوب الصحيح. إن التحسين المتواصل كثيراً ما يعرّف بأنه التزامن بين فعل الشيء الصحيح و بين القيام بذلك الشيء بالأسلوب الصحيح. و المرء الذي قطع شوطاً معتبراً في تغييرات المستويين الأول و الثاني و أصبح منسجماً و مستقراً في الوضعية الجديدة يعتبر الآن كفأً متمكّناً competent.
حتى الآن يمكننا القول بأن المضي في المستويين الأول و الثاني يتطلب التغيير على الصعيد الشخصي أساساً.
المستوى الثالث – الاختصار cutting: عدم القيام بما لا ينبغي القيام به
في هذا المستوى نستخدم وعينا لمبدأ باريتو حتى نتخلّص من تلك الثمانين بالمئة من الخطوات المولّدة لعشرين بالمئة من القيمة، و إعادة توجيه الموارد المحرّرة نحو مستوياتٍ تغييرٍ أرقى. في أبسط الأحوال يمكن القول بأن المستوى الثالث يركّز على إلغاء الهدر. و إذا أمكن القيام بذلك نظامياً – أي الحفاظ على كل العلاقات و العمليات و الأنظمة الفرعية في المنظمة ضمن هذا المنظور- فإنّ نتائجَ هائلةً ستتحقّق. في هذا المستوى يتخذ الموظّفون المبادرة لإصلاح العمليات بسرعة و سهولة و بتكلفةٍ أقل دون انتظار موافقة الإدارة العليا.
إن هذا المستوى الثالث يتضمن مستوىً منخفضاً من المخاطرة و الجهد و لكن هذا الجهد و المخاطرة تنعكس مباشرةً على تحسين كفاءة المنظمة، و تبدو ثمراتها بوضوح داخلياً و خارجياً.
المستوى الرابع – التعزيز enhancing: من الحسن إلى الأحسن
في هذا المستوى نتجه نحو تحليل العشرين بالمئة من النشاطات الأساسية التي بقيت بعد الغربلة في المستوى الثالث لمتابعة تحسينها. و من جوانب هذا التحسين مثلاً إيجاد أساليب جديدة تتيح تسريع عمليات الفحص، أو اختصار الزمن، أو رفع المردود. إنّ إعادة تصميم العمليات processes redesigns هي حصيلة جهودٍ واسعة النطاق لتحقيق تغييرات المستوى الرابع مع تغييرات المستوى الثالث. إن تغييرات هذا المستوى تجعل الأشياء أكثر فعاليةً و كفاءةً و إنتاجية، أو أعلى قيمة.
المستوى الخامس – المحاكاة copying: القيام بأفضل ما يقوم به الآخرون
في هذا المستوى نرى التحول الأول الواضح من تفكير التغيير المتدرّج إلى تفكير التغيير الأساسي. إنّ المحاكاة و التعلم من الآخرين و " الهندسة العكسيّة reverse engineering " يمكن أن تعزّز الابتكار تعزيزاً هائلاً بسرعة أكبر و بتكلفةٍ أقلّ مما لو بدأنا من الصفر.
إنّ الاستدلال بالمقارنة المرجعية benchmarking مع أساليب عمل مراكز البحث الأخرى (بغض النظر عن مجالات تخصّصها) ثمّ تعزيز مكتشفاتها و إنجازاتها ( تغيير المستوى الرابع) هو العلامة المميّزة للمبتكِر المتكيّف الواسع التقبّل adaptable innovator.
إن كثيراً من المديرين المعاصرين ما يزالون غير مطمئنين و منسجمين مع هذا المستوى لأنهم ما يزالون مأسورين بالتركيز على الداخل و بالتالي أقل وعياً إلى أن لدى الآخرين ما يستحق المحاكاة. و هكذا نجدُ أن كثيراً من المنظّمات التي تسيطر عليها عقلية " لا تقل لي ما هي الفكرة بل قل لي من أين هي" ترفض المحاكاة و تضطر إلى إعادة اختراع الدولاب القديم بنفسها مرةً بعدَ مرة.
المستوى السادس – التميّز different: القيام بما لا يقوم به أحد
في هذا المستوى نختار مفترق طرق لم يسلكه أحدٌ من قبل باتجاهنا نحو فعل شيءٍ مختلف أو نحو القيام بشيءٍ مألوف بطريقةٍ مختلفة. إن هذا الإقدام على المخاطرة و شقّ الطريق و ليس اتباعها يولّد أشياء جديدة و أصيلة حقاً و ذلك إمّا بالتركيب و التأليف بين مبادئ و تقنيات و عناصر كانت تبدو غير مترابطة، أو بالتحويل الكليّ لوجهة النظر الخاصة بالاستخدامات الممكنة لمنتَج معيّن.
لدى تشغيلِ المنظمة سيروريّاً ( السيروريّ أو المركّز على العمليات* process-oriented ) فإنّ المستوى السادس في أقصى تطبيقه العمليّ سيكون جامعاً للمستويات السابقة من اختصار و تعزيز و محاكاة و تكييف ضمن إعادة الهندسة reengineering. أي التغيير الجذري للعمليات و الإجراءات حتى تصبح في صورتها الجديدة غير ذات صلة بصورتها السابقة.
* نمط التشغيل أو نمط التفكير أو التناول السيروري process-oriented هو الذي يركّز على العمليّة و مقوّمات الحصول على النتائج أكثر من تركيزه على نتيجة معيّنة.
المستوى السابع – اختراق المستحيل impossible: القيام بما لا يمكن القيام به
إن التكنولوجيا، و قيود السوق، و حدود الموارد، و ثقافة المنظمة كثيراً ما تشكّل عوائق لا يمكن التغلب عليها. و لكن الاكتشافات في هذا المستوى لا تعبأ بذلك فهي كثيراً ما تعتمد على تحويل الأنموذج* paradigm shift أو فلنقل الرؤى الاختراقية الجسورة. إنها بمثابة إرسال غزواتٍ جريئة و ذكية و بعيدة المدى إلى قلب المجهول.

استحدث مصطلح " تحوّل الانموذج paradigm shift " العالم توماس كون في ستينات القرن الماضي إبان مناقشته لتطور العلوم. و كمثالٍ لتوضيح الفكرة استخدم ذلك العالم هذا الشكل الذي يؤدي تحول الأنموذج ( تغيير طريقة التفكير و النظر إلى المعطيات) إلى رؤيته كأرنبٍ ينظر إلى اليمين أو بطة تنظر إلى اليسار
إن التغيير في هذا المستوى يعكس أعلى مستويات التفكير التخيّلي و يكاد يجمع كل المراقبين الخارجيين على أنه خروج ثوري أو انشقاق صادم عن التقليد المتبع. و في الإشارة إلى أهمية هذا التفكير الاقتحاميّ يقول ألبرت آينشتاين " إن المشكلات الخطيرة التي نواجهها اليوم لا يمكن حلها بمستوى التفكير ذاته الذي كنا عليه حين صنعناها "
إن حفنةً قليلةً جداً من تغييرات المستوى السابع يتمّ تنفيذها كما ولدت في عقول أصحابها. معظم هذه التغييرات تتعرّض إلى قصفٍ مكثّف من تمحيصات المستوى الرابع حتى تكتشف ثغراتها. و القلة النادرة التي تصمد أمام هذا القصف غالباً ما تولّد قفزاتٍ إبداعية من تفكير جديد، أو أسلوب عمل، أو تكنولوجية. إن تغييرات المستوى السابع تغيّر الوجه المعروف لمجالٍ معين أو تنشئ مجالاً جديداً تماماً. و من نماذج هذه التغييرات ما تقوم به مؤسسة Skunk Works السريّة التابعة لشركة لوكهيد
من قفزات نوعية في صناعة المقاتلات و تكنولوجية الفضاء. إنّ التصميم الثوري لكثيرٍ من المقاتلات و الطائرات المشهورة و منها طائرة " الشبحStealth –F 117 " هو جزءٌ من أعمالها التي يمكن اعتبار كثيرٍ منها أمثلة جيدة على القيام بالمستحيل، أو بتغييرٍ فريدٍ لا يمكن أن يقارن بأي شبيهٍ في عصره.
مستويات التغيير لوازم مترابطة و ليست مراحل منفصلة:
إن المستويات الدنيا من التغيير تتضمّن تحسيناتٍ تكثيريّة أو متدرجة بينما تولّد المستويات العليا قفزات ثوريّة، و تطبيق أيّ مستوىً من التغيير سيفيد المنظمة، لا شك في ذلك. و لكنّ التوليفة الجامعة بين كلّ المستويات هي التي تولّد أعظم الفرص لنجاح المنظمات. و قبل كلّ شيء نعود فنذكّر: لا بدّ من تطبيق النموذج، يجب تحويل الأفكار إلى أفعال.
|